27/4/2014
تابعت كما تابع العديد من منتسبي الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب الآراء المختلفة حول قضية فصل قطاع التعليم التطبيقي (الكليات) عن قطاع التدريب (المعاهد) المكونيْن للهيئة، والتي كان آخرها مناظرة نظمتها – مشكورةً – جريدة أكاديميا بين أعضاء هيئة التدريس بالهيئة (فريق المؤدين للفصل) وأعضاء هيئة التدريب (فريق المعارضين). تابعت المناظرة بشغف من منصة المتفرجين آملة أن يقنعني أحد الفريقين بأسبابه لكي أنضم للاعبيه أو على الأقل لمؤيديه.
فبينما رسم أعضاء هيئة التدريس صورة مشرقة لمستقبل الفصل: علاج لترهل الهيئة، والمساعدة على نمو وتوسع كل قطاع على حدة، والحصول على الاعتماد الأكاديمي، وتطوير المناهج، وقبول أعداد أكثر من الطلبة.. الخ، صوّر لنا أعضاء هيئة التدريب فصل القطاعين كمستقبل مظلم لا خير فيه ولا صلاح، يتوه معه الطلبة ويضيع فيه ذوو النسب المتدنية من خريجي الثانوية العامة، كون الفصل سيُجبر قطاع التعليم على رفع نسبه، لذا يجب المحافظة على كيان الهيئة والرسالة التي أنشئت من أجلها، وهي تخريج "العمالة الفنية الوسطى لسوق العمل". وبالرغم من هذا الجهد المضاعف في المناظرة، إلا أنني لم أقتنع بأي حجة من حجج الفريقين.
كنت سأقتنع بحجة أعضاء هيئة التدريس بالتطوير بعد الفصل لو كانت طلبات أقسام الكليات لتطوير مناهجهم والتنسيق مع سوق العمل واستحداث برامج جديدة، متكدسة دون جدوى في مركز تطوير المناهج في الهيئة، ولو لم يكن المركز مهملاً ومهجورًا في أحد مباني الهيئة الآيلة للسقوط، بعد أن كان يعج في الماضي القريب بالإنجازات والدورات.
كنت سأقتنع بحجة أعضاء هيئة التدريس بسوء تداخل القطاعين لو لم يكونا منفصلين في الترقيات والدورات والمباني، بل والإدارة، فلكل قطاع نائب مدير عام خاصٌ به، يعتني بشؤونه. التداخل الوحيد حاليًا بين القطاعين هو تسكين مدرسي المختبرات ومن في حكمهم في قطاع التعليم على كادر أعضاء هيئة التدريب (وهي مصيبة بحد ذاتها ولكن يمكن حلها وليست مدعاةً للفصل). وكون القطاعين مفصولين داخل الهيئة لا يستدعي أيضًا فصلهما فعليًا، فالقطاعان يقومان بنفس الرسالة وهي تخريج العمالة الفنية للبلاد، ولكن بدرجات مختلفة، وباستثناء كلية التربية الأساسية، فأغلب كليات الهيئة تقدم شهادة الدبلوم وليس البكالوريوس.
أما حجة أن اللجنة التنفيذية في الهيئة تتكون من عمداء الكليات ومديري المعاهد مما يُصعّب عملية اتخاذ القرار كونهم يعملون "بمعزل عن الآخر وبصورة تنافسية"، أو حجة تكرار التخصصات والدرجات العلمية في الكليات والمعاهد مما "يسبب هدر المال العام": فمن أجل ذلك وُضع المدير العام على رأس هذه اللجنة التنفيذية للحفاظ على "انسجام وتناغم" القطاعين (مع العلم بأن التنافس أساس النجاح والتطوير)، ومن أجل ذلك جُعل مجلس إدارة الهيئة هو "السلطة العليا المهيمنة على التعليم التطبيقي والتدريب في البلاد" والمختص بوضع خطط وبرامج التعليم التطبيقي والتدريب ومتابعة تنفيذها، ومن أجل هذا وُضع مركز تطوير المناهج لكي يلجأ له كل من يريد استحداث تخصص جديد من الكليات والمعاهد، بما يضمن عدم التعارض والتكرار. فإن تم تكرار التخصصات تحت مظلة واحدة، فهو دليل على سوء الإدارة والتخطيط وليس عذرًا للفصل.
وكنت سأقتنع كذلك بحجة أعضاء هيئة التدريس بالرغبة في الحصول على الاعتماد الأكاديمي بعد الفصل لو كان الاعتماد يعتمد على المؤسسة وليس القسم والتخصص، بدليل حصول بعض برامج كلية الدراسات التكنولوجية على الاعتماد الأكاديمي دون غيرها من برامج الكلية، ولم يعوقها أنها ضمن هيئة تشمل كليات ومعاهد.
وكنت سأقتنع بحجة أعضاء هيئة التدريس بضرورة استعجال الفصل لكي يستطيع القطاع قبول الأعداد المتزايدة من الطلبة لو لم تتوقف عملية القبول على السعة المكانية لمباني الهيئة وأعداد أعضاء هيئة التدريس في الكليات. فهل ستنتقل الكليات لمكان أكبر ومباني أحدث؟ وهل هناك خطة مستقبلية وميزانية مضمونة لزيادة التعيينات لإعطاء الفصل صفة الاستعجال كحل لقبول أعداد طلبة إضافية؟
وفي المقابل، ومع تأييدي لرأي أعضاء هيئة التدريب بشأن رسالة الهيئة، إلا أن أسبابهم لمعارضة الفصل ليس لها علاقة بالفصل أساسًا: ففي جميع الأحوال، انخفاض نسب قبول الطلبة أو زيادتها يخضع لمدى استيعاب القسم والكلية وحاجة التخصص في سوق العمل. وفي الكويت الحبيبة، تخضع نسب القبول لمزاجية وزارة التربية، فبحسب الوزير، يتخرج طلبة الثانوية العامة بنسب عالية أو بنسب منخفضة، بغض النظر عن مستواهم الفعلي، بل ويتم أحيانًا إجبار الهيئة على استيعاب ما لم تستوعبه جامعة الكويت من خريجي الثانوية العامة. وإن تم الفصل، فالأولى أن تـُخفّض نسب القبول في الكليات والمعاهد "المفصولة" لاستيعاب الأعداد "الإضافية" من الطلبة، كونها جديدة على الساحة التعليمية.
أما مسألة المحافظة على كيان الهيئة ورسالتها بتخريج العمالة الفنية "الوسطى" لسد احتياجات "سوق العمل" ، فالطريف في الموضوع أن هذه المصطلحات لم ترد في قانون إنشاء الهيئة (63/1982)، الذي نص في مادته الثانية على أن "غرض الهيئة هو توفير وتنمية القوى العاملة الوطنية بما يكفل مواجهة القصور في القوى العاملة الفنية الوطنية وتلبية احتياجات التنمية في البلاد"، فهي عمالة فنية مدربة حسب احتياجات التنمية في البلد، وهو ما يشترك فيه القطاعان، بدلالة وجود التدريب الميداني لطلبة الكليات والمعاهد على حدٍ سواء، وإن تدنت مخرجات الهيئة فهو قرار تتخذه الأقسام العلمية عندما تهمل مناهجها وطرق تدريسها.
أنا لست ضد الفصل نهائيًا، ولكن لم أقتنع بأسبابه إلى الآن، كنت أتطلع للإجابة على استفسارات أخرى خلال المناظرة، مثل:
هل سيضمن أي القطاعين استقلالية ميزانيته وقانونه بعد الفصل؟
هل سيضمن قطاع التعليم التطبيقي انتقاله لمباني أفضل وأكبر لاستيعاب أعداد الطلبة المتزايدة؟
هل ستقتصر كليات التعليم التطبيقي على تقديم درجات البكالوريوس أم ستجمع معها الدبلوم؟
وإن قدمت تلك الكليات درجة الدبلوم بعد الثانوية، هل ستقتصر المعاهد على تقديم الشهادات الفنية بعد المتوسطة؟ أم "سيتنافس فيها المتنافسون" لتخريج طلبة الدبلوم ولربما لنفس التخصصات؟
وإن أخذنا بحجة التطوير والاعتماد الأكاديمي ، هل وضع قطاع التعليم (من أقسام وكليات) خطته الخمسية (مثلاً) للتطوير "المنتظر" في المناهج والتخصصات والسعة المكانية والتعيينات لكي يبدأ العمل فورًا بعد تبني قرار الفصل؟ أم سيضع أولاً الهيكل التنظيمي ويُقسم المناصب الإدارية؟
إن بقاء الهيئة كما هي لا يعني ترهلها وموتها.. والتطوير والحصول على الاعتماد الأكاديمي لا ينتظر فصلاً بين القطاعين...
تطور الهيئة يكون باستقلال ميزانيتها كما هو الحال مع جامعة الكويت، لكي تقدم أفضل الخدمات والمميزات لعامليها وطلابها.
تطور الهيئة يكون بتفعيل مركز تطوير المناهج وتعزيز دوره للرقي بتخصصات الأقسام ومواكبة احتياجات التنمية في البلاد.
تطور الهيئة يكون بعقد اللجان الفنية من القطاعين لكي يتم التناغم في العمل ولا يترك الأمر للجنة التنفيذية، التي يتقابل فيها القطاعان للمرة الأولى والأخيرة، فيتخذ كل منهما قراره بمعزل عن الآخر.
تطور الهيئة يكون بمساندة أعضاء هيئة التدريس والتدريب وتوفير السبل لهم للرقي في العلم والاستزادة في الخبرات، وليس في تأخير مستحقاتهم وجعل الأمور المادية هي الشغل الشاغل لهم.
تطور الهيئة يكون باعتماد برامجها وأقسامها وتخصصاتها أكاديميًا لكي تضع شهادتها على الخريطة المحلية والعالمية، بحيث يستطيع طلبة دبلوم الهيئة استكمال دراستهم الجامعية في جامعة الكويت (نظريًا على الأقل) أو معادلة شهاداتهم بالشهادات العالمية لكي يمكنهم استكمال دراستهم دون الحاجة لنسف نصف ما درسوه في الهيئة.
تطور الهيئة يكون برؤية شاملة من المدير العام للرقي بكيان موجود برسالة محددة بدل هدمه في ظل ظروف سياسية لا تسمح بالتنمية، ولجان تعليمية في مجالس تأخذ قراراتها بناءً على مقابلات شخصية بدل دراسات ولجان أكاديمية.
** سؤال: على صعيد تقرير الفريق الكندي، ماذا حدث لمقترح تجديد إنشاء الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب الذي تقدم به النواب د. حسن جوهر، و د. أسيل العوضي، و د. معصومة المبارك، و د. علي العمير، و د. فيصل المسلم في 2007، والذي درسته الهيئة وعدّلت عليه؟
مع ذلك كله، وبالرغم مما سبق، فالأجواء والمؤشرات تشير أن الفصل قادم! وما هي إلا قرارات سياسية تضاف إلى قانون جامعة جابر المعيب، الذي لم يأخذ صفة جامعة حكومية، ولا صفة هيئة تعليم تطبيقي وتدريب، ومازال غير قابل للتطبيق.
إن أردنا التطوير والرقي بالعملية التعليمية في الكويت، فالحل ليس في الفصل، وإنما البداية من جديد لإنشاء جامعة حكومية خالصة، لا يُترك قرار إنشاء قانونها للمؤسسات التعليمية المنافسة... وبالله عليكم، لنطلق عليها أي اسم غير "جابر"، غفر الله له وتقبله بواسع رحمته.
د. إقبال الشايجي
قسم العلوم الطبيعية
كلية العلوم الصحية
الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب
27/4/2014

No comments:
Post a Comment