"إن كنت قد رأيت أبعد[منكم]، فلأنني أقف على أكتاف عمالقة"
“If I have seen further, it is by standing on ye shoulders of giants”
في الحقبة التي نشطت فيها النظريات الرياضية والكونية والمتعلقة بالجاذبية وغيرها، وبالتحديد في سبعينيات القرن السابع عشر، تبادل العالم روبرت هووك العديد من المراسلات والنقاشات العلمية مع زميله إسحاق نيوتن، ثم اتهمه هووك بأن اكتشافاته في مجال الجاذبية والحركة ما هي إلا نتاج هذا الحوار بينهما وأن نيوتن قد استغل بعض أفكاره ونسبها لنفسه. فرد عليه نيوتن بالجملة الشهيرة: "إن كنت قد رأيت أبعد [منكم]، فلأنني أقف على أكتاف عمالقة"، مقتبسًا بذلك فيلسوف القرن الثاني عشر برنادر شارتر، الذي وصفنا جميعًا (وبالأخص طالبي العلم) بالأقزام المحمولين على أكتاف العمالقة: نرى أكثر وأبعد ممن سبقونا، ليس لأن نظرنا أفضل ولا لأننا أكبر، وإنما لأننا نبني على إنجازاتهم السابقة. والذي قصده نيوتن في رسالته أن ما وصل إليه من اكتشافات علمية قد بناها هو على جهود واكتشافات من سبقوه في العلم، سواء كانوا من علماء عصره أو من سبقهم.
إن تعقبنا أصل قصة الأقزام والعمالقة، سنجدها تعود إلى الأساطير اليونانية، عندما أصيب العملاق أوريون بالعمى، فوضع خادمه سيداليان على أكتافه ليوجهه شرقًا ناحية ضوء الشمس، لكي يشفى ويستعيد بصره.
في الحقيقة، نحن جميعًا إما أقزامٌ أو من العمالقة في زمن أو آخر من حياتنا. فإن كنت مسؤولاً وبيدك القرار (سواء كنت على "رأس" قسم، أو إدارة أو مؤسسة أو وزارة أو حتى حكومة) فأنت من الأقزام، تقف على أكتاف العمالقة من المبدعين والمجتهدين والباحثين، ومجموع جهودهم وعملهم هي الهامة العملاقة التي تبني عليها قراراتك وتستمد منها قوتك لأنك سترى الصورة أوضح وأبعد منهم، وبدونها لن تتمكن من اتخاذ قرارات سديدة، صحيحة. فإن كنت مبصرًا كالقزم سيداليان، فستوجههم نحو النور لكي يتقدموا ويصلح حالهم من خلال توجيهاتك. وإن كنت قزمًا أعمى، فلن يفيدك عملاق المعلومات والموارد الضخمة الذي تقف على كتفه، لأنك لا تعلم كيف توجهه وإلى أين.
وأما إن كنت من العاملين الذين يكوّنون هذا العملاق، فإن لم يكن هناك من يوجه جهودك ويقودك للنور، فستظل عملاقًا أعمى في مكانك، حجمك ضخم لعظم مواردك ولكنك لن تتقدم ولن تشفى من العمى، طالما من يقودك لا يمتلك الرؤيا لذلك، ولكن لتعلم بأنك لست وحدك من يكوّن هذا العملاق، وإنما هم فريق المجتهدين والمخلصين من سائر أطياف المجتمع: هم جسدٌ واحد، روحه التعاون والتآلف والتلاحم، إِذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائرُ الجسد بالسَّهرِ والحُمّى.
إن الوضع الحالي يقول أننا نمتلك العديد من العمالقة: فلدينا المال والعتاد من المبدعين والمجتهدين والباحثين في كل قطاعات الدولة، بل وعمالقتنا كلهم أقوياء لأن أساسهم الشباب الواعي والمثقف، والمتحمس للعمل الدؤوب. ما ينقصنا فقط هم الأقزام المبصرون الذين سيوجهون هؤلاء العمالقة لرفعة ورقي البلد، ولا ضير في أن نسميهم بالأقزام لإضافة صفة التواضع على المسؤولين، فهم بدون عمالقتهم، لا يمتلكون سوى الكراسي التي يجلسون عليها.

No comments:
Post a Comment