Pages

Friday, 25 March 2016

أقزام وعمالقة...


"إن كنت قد رأيت أبعد[منكم]، فلأنني أقف على أكتاف عمالقة"
“If I have seen further, it is by standing on ye shoulders of giants”


في الحقبة التي نشطت فيها النظريات الرياضية والكونية والمتعلقة بالجاذبية وغيرها، وبالتحديد في سبعينيات القرن السابع عشر، تبادل العالم روبرت هووك العديد من المراسلات والنقاشات العلمية مع زميله إسحاق نيوتن، ثم اتهمه هووك بأن اكتشافاته في مجال الجاذبية والحركة ما هي إلا نتاج هذا الحوار بينهما وأن نيوتن قد استغل بعض أفكاره ونسبها لنفسه.  فرد عليه نيوتن بالجملة الشهيرة: "إن كنت قد رأيت أبعد [منكم]، فلأنني أقف على أكتاف عمالقة"، مقتبسًا بذلك فيلسوف القرن الثاني عشر برنادر شارتر، الذي وصفنا جميعًا (وبالأخص طالبي العلم) بالأقزام المحمولين على أكتاف العمالقة: نرى أكثر وأبعد ممن سبقونا، ليس لأن نظرنا أفضل ولا لأننا أكبر، وإنما لأننا نبني على إنجازاتهم السابقة. والذي قصده نيوتن في رسالته أن ما وصل إليه من اكتشافات علمية قد بناها هو على جهود واكتشافات من سبقوه في العلم، سواء كانوا من علماء عصره أو من سبقهم. 

إن تعقبنا أصل قصة الأقزام والعمالقة، سنجدها تعود إلى الأساطير اليونانية، عندما أصيب العملاق أوريون بالعمى، فوضع خادمه سيداليان على أكتافه ليوجهه شرقًا ناحية ضوء الشمس، لكي يشفى ويستعيد بصره. 


في الحقيقة، نحن جميعًا إما أقزامٌ أو من العمالقة في زمن أو آخر من حياتنا. فإن كنت مسؤولاً وبيدك القرار (سواء كنت على "رأس" قسم، أو إدارة أو مؤسسة أو وزارة أو حتى حكومة) فأنت من الأقزام، تقف على أكتاف العمالقة من المبدعين والمجتهدين والباحثين، ومجموع جهودهم وعملهم هي الهامة العملاقة التي تبني عليها قراراتك وتستمد منها قوتك لأنك سترى الصورة أوضح وأبعد منهم، وبدونها لن تتمكن من اتخاذ قرارات سديدة، صحيحة.  فإن كنت مبصرًا كالقزم سيداليان، فستوجههم نحو النور لكي يتقدموا ويصلح حالهم من خلال توجيهاتك. وإن كنت قزمًا أعمى، فلن يفيدك عملاق المعلومات والموارد الضخمة الذي تقف على كتفه، لأنك لا تعلم كيف توجهه وإلى أين.  

وأما إن كنت من العاملين الذين يكوّنون هذا العملاق، فإن لم يكن هناك من يوجه جهودك ويقودك للنور، فستظل عملاقًا أعمى في مكانك، حجمك ضخم لعظم مواردك ولكنك لن تتقدم ولن تشفى من العمى، طالما من يقودك لا يمتلك الرؤيا لذلك، ولكن لتعلم بأنك لست وحدك من يكوّن هذا العملاق، وإنما هم فريق المجتهدين والمخلصين من سائر أطياف المجتمع: هم جسدٌ واحد، روحه التعاون والتآلف والتلاحم، إِذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائرُ الجسد بالسَّهرِ والحُمّى.

إن الوضع الحالي يقول أننا نمتلك العديد من العمالقة: فلدينا المال والعتاد من المبدعين والمجتهدين والباحثين في كل قطاعات الدولة، بل وعمالقتنا كلهم أقوياء لأن أساسهم الشباب الواعي والمثقف، والمتحمس للعمل الدؤوب.  ما ينقصنا فقط هم الأقزام المبصرون الذين سيوجهون هؤلاء العمالقة لرفعة ورقي البلد، ولا ضير في أن نسميهم بالأقزام لإضافة صفة التواضع على المسؤولين، فهم بدون عمالقتهم، لا يمتلكون سوى الكراسي التي يجلسون عليها. 




Friday, 4 March 2016

الذات الإدارية في التطبيقي



اعتقدت وأنا أقرأ اللائحة المقترحة من الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب بشأن المساءلة الإدارية لأعضاء هيئة التدريس والتدريب فيها، والتي نشرتها جريدة أجيال الإلكترونية يوم 29/2/2016، بأن مسمى "الذات الإدارية" قد وقع سهوًا من المقترح، ليس فقط لغلاظة العقوبات المقترحة للمخالفة الإدارية، بل لما جاء في المادة الثالثة من المقترح:

... "ولا يعفى العضو من المسؤولية عن المخالفة الإدارية استنادًا إلى صدور أمر إليه من رئيسه الذي تجب عليه طاعته وفقا للقانون إلا إذا ثبت أن ارتكابه للمخالفة كان تنفيذًا لأمر كتابي صدر إليه من هذا الرئيس رغم قيامه بتنبيه رئيسه إلى المخالفة وفي هذه الحالة تكون المسؤولية على مصدر الأمر وحده." فالمادة تضمنت الطاعة المطلقة للرئيس وتنفيذ أوامره الكتابية حتى وإن احتوت على مخالفة، وقد يعفى العضو من المسؤولية بعدها إن ثبتت المخالفة على رئيسه، بالضبط كما تنص عليه اللوائح العسكرية، لا الإدارية.

لقد عرّف المقترح المخالفة الإدارية لأعضاء هيئة التدريس والتدريب بأنها "كل قول أو فعل أو امتناع عن فعل يصدر عن عضو هيئة التدريس أو التدريب يمثل إخلالا بالواجبات والمحظورات المقررة في القوانين واللوائح والنظم أثناء عمله أو بمناسبته داخل مرافق الهيئة العامة أو خارجها متى كان من شأنه الإساءة إلى مكانة وسمو مهنة التعليم والتدريب".  أتفهم أن تكون المخالفة بفعل يخل باللوائح والقوانين، ولكن إن قلت لرئيسي مثلاً بأنني أمتنع عن عضوية لجنة معينة لسبب أو لآخر، فهل سيكون من حق رئيسي تحويلي للتحقيق؟ وإن امتنعت مثلاً عن تقديم أطروحة رسالة الدكتوراه للهيئة لإثبات صحة شهادتي، إيمانًا مني بأن هذا الفعل سيقلل من شأني كعضو هيئة تدريس مبتعث من التطبيقي حسب اللوائح والقوانين المعمول بها في الهيئة ووزارة التعليم العالي، فهل سيكون من حق الهيئة تحويلي للتحقيق؟ علمًا بأنه لا توجد أي لوائح وقوانين ونظم تنص على تسليمي أطروحة رسالتي للهيئة، وإنما للمكتب الثقافي، وهو ما قمت به فعلاً. وإن انتقدت مقترح اللائحة، كما أفعل الآن، خارج مرافق الهيئة، فهل من الممكن تحويلي للتحقيق وتأديبي إداريًا؟ 

هذا فقط من أول ثلاثة مواد من المقترح.

إن اللائحة المقترحة ليست تكميمًا للأفواه فحسب، بل إسفاف بعضو هيئة التدريس والتدريب، فمن يستمر في قراءة بنودها يشعر بأنه لا أهمية لعضو هيئة التدريس أو التدريب في التطبيقي: شهاداته العليا، إنجازاته العلمية، تاريخه الحافل في التدريس، خبرته الإدارية، مستواه الأكاديمي! وهو شيء جميل لأنه يطبق مبدأ العدل والمساواة للمخالفين في حال إن كانت المخالفات واضحة وتقابلها عقوبات أوضح، فكل "قول أو فعل أو امتناع عن فعل" هو تعريف مطاطي لعقوبات تليق بمعتقل غوانتانامو قد تصل لسنوات طويلة، فمن الخصم من الراتب والوقف عن العمل إلى الفصل من الخدمة، والتي نسي المقترح أن يذكر أن عقوبة الفصل هي من اختصاصات مجلس إدارة الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب ولا أحدٍ سواه، بل وترك الحرية المطلقة للمدير العام لقبول العقوبات التأديبية أو تشديدها أو تخفيفها أو حفظ التحقيق كليةً كيفما يرى مناسبًا. ففي نهاية الأمر مستقبل عضو هيئة التدريس والتدريب في الهيئة في يد شخص واحد.


هناك الكثير والكثير من العيوب التي شابت مقترح اللائحة والتي لا مجال لنا بالحديث عنها لأنها بحاجة إلى مجلدات: كأن تكون لجنتي التحقيق دائمتين من أعضاء هيئة تدريس وتدريب وقانونيين، ثم يُطلب منهما البت في كل التحقيقات في فترات زمنية قصيرة بالنسبة للكم الذي سيُحول لها كونها لجنة واحدة لكل قطاع، مما قد يؤثر على حسن سيرها ولربما عدم تمكن أعضائها من القيام بواجباتهم الوظيفية الأصلية. وهناك حيثية أن تكون اللجنة مكونة من خمسة أعضاء ولا تصح اجتماعاتها إلا بحضور جميع أعضائها، فكيف تتساوى أصواتها ويرجح الجانب الذي فيه الرئيس؟ مع العلم بأنه ليس من المفروض أن يكون هناك امتناع عن التصويت في لجان التحقيق، فإما أن تكون قد وقعت المخالفة أم لم تقع. وغيرها الكثير، أتركه للمتخصصين في القانون.

---------------

إنه لزمن أسود أن تكون عضو هيئة تدريس في التطبيقي، فزملاؤك يطعنون في شهادتك في الصحافة والإعلام، وإدارتك تطالبك في مواقع التواصل الاجتماعي أن تسرع بتسليم أطروحتك لكي تثبت ضمنيًا بأن شهادتك سليمة، ثم تحول للتحقيق إن رفضت تسليم الأطروحة. وطبعًا الصحافة تزيد البهارات والرأي العام يثور والندوات تـُنظم.

إنه لزمن أسود أن تكون عضو هيئة تدريس في التطبيقي، فالمناقلة الغير مدروسة في أبواب ميزانية الهيئة تسلبك مستحقاتك المالية وتجعلك عرضة للتجريح والطعن في عملك ومجهودك وأنت تعمل في مؤسسة أكاديمية تقبل أعدادًا هائلة كل فصل دراسي تفوق جامعة الكويت والجامعات الخاصة، فإن فشلت الإدارة، عوقب عضو هيئة التدريس والتدريب بسلب أجره الذي عمل من أجله ولا يتم الاكتفاء بتخفيض ميزانية السنوات القادمة.

إنه لزمن أسود أن تكون عضو هيئة تدريس في التطبيقي، فلا يجب أن تكمل نصابك التدريسي فحسب، بل يخبرونك بأن التوجه الآن أن تتوزع محاضراتك كذلك على ثلاثة أيام في الأسبوع لضمان تواجدك داخل أسوار الكلية، ولا يهم سعيك للتطوير البحثي أو الأكاديمي إن كان خارج الكلية. وبدل أن تسخّر الإدارة العليا جهودها لاستحداث جائزة التدريس المتميز مثلًا أو جائزة الإنجاز العلمي لتشجيع أعضاء هيئة التدريس، تتفنن الإدارة في الاستمرار من النيل منهم بالوعيد والتحقيق والعقاب.

إنه لزمن أسود أن تكون عضو هيئة تدريس في التطبيقي، فأغلب لجان التحقيق في مؤسستك التعليمية أساسها ومصدرها الرأي العام، بغض النظر عن أن الحقيقة تخالف ما تنشره الصحف وتداوله الدواوين. فمن الممكن أن يتم وقفك عن العمل لتنظيمك نشاط وافقت عليه مسبقًا الهيئة والكلية وأولياء الأمور، فقط لأن الرأي العام شوه صورته وغير طبيعته. أما الأكثر سوادًا من ذلك، هو أن تدينك إدارتك ووزارتك علنًا قبل التحقيق، ثم لا تنشر نتائج التحقيق الذي برأك من كل التهم والمخالفات المنسوبة إليك.

---------------

على الهامش: لا توجد لائحة تأديبية في جامعة الكويت لأن تأديب أعضاء هيئة التدريس فيها منصوصٌ عليه في قانون الجامعة المادة 37: تسري في شأن تأديب أعضاء هيئة التدريس الإجراءات والعقوبات المقررة في شأن تأديب موظفي الدولة (أي قانون الخدمة المدنية). وتشكل لجنة تأديب أعضاء هيئة التدريس على النحو الآتي: مستشار التعليم العالي (مدير الجامعة، رئيسًا)، مستشار من إدارة الفتوى والتشريع يختاره رئيس الإدارة (أعضاء) وأحد عمداء الكليات يختاره وزير التربية. 

ودمتم


@ialshayji_PAAET